الأمن القومي المصريالمسكوت عنهسوريا

اتفاق تصدير الغاز المصري إلى سوريا ولبنان .. عندما تتحول مصر إلى بوابة لتبييض الغاز الإسرائيلي

بالتأكيد كانت الأخبار المتداولة عن صفقة/مذكرات تفاهم توريد غاز من مصر إلى سوريا ولبنان، لافتة ومربكة. فكيف لمصر التي تعاني من عجز كبير في سد احتياجاتها من الغاز الطبيعي، والذي دفعها مضطرةً إلى زيادة وارداتها من الغاز الإسرائيلي عبر صفقة ضخمة مثيرة للجدل، بالإضافة إلى الاتجاه لاستيراد الغاز المسال من مصادر مختلفة؛ كيف لدولة بهذا الوضع الحرج على صعيد أمن الطاقة، أن تمد سوريا ولبنان بالغاز الطبيعي؟!

سنحاول هنا في هذه الورقة التحليلية، أن نفهم ما وراء ذلك الاتفاق، وكيف سيتدفق الغاز من مصر إلى سوريا ولبنان.

أولًا: حقائق ومفاهيم انطلاقية تأسيسية

كيف يصل الغاز الإسرائيلي إلى مصر؟

وفقا لاتفاقية الغاز 2018-2019 بين مصر وإسرائيل، فإن مصر تستقبل الغاز الإسرائيلي عبر خط أنابيب “العريش-عسقلان”، حيث يتدفق الغاز من الشرق إلى الغرب، ثم يصل إلى العريش، ومنه إلى خط شمال سيناء المصري الذي ينقل الغاز الإسرائيلي إما إلى محطات التسييل في إدكو ودمياط في حال وجود فائض للتصدير للخارج -وهذا الأمر لم يعد متاحًا في الوقت الحالي في ظل عجز الغاز المصري-، أو إلى شبكة الغاز الداخلية المصرية.

مطلع عام 2022، عقدت مصر وإسرائيل اتفاق لزيادة إمدادات الغاز الإسرائيلي، وبسبب أن سعة خط “العريش-عسقلان” لا تمكنه من استقبال الكميات الإضافية من الغاز الإسرائيلي، تم الاتفاق على استخدام خط “الغاز العربي”، حيث يتدفق الغاز الإسرائيلي إلى الأردن ثم تستقبل المملكة حصتها من الغاز، ثم يتم ضخ الحصة المصرية في خط “الغاز العربي”، ويتحرك الغاز الإسرائيلي جنوبًا ليستكمل طريقه إلى سيناء، لينتهي بالوصول إلى شبكة الغاز الداخلية المصرية.

هنا تبدو الصورة أكثر وضوحًا،فهناك مساران تستقبل من خلالهما مصر الغاز الإسرائيلي:

المسار الأول: وهو خط “العريش-عسقلان” في اتجاه واحد من الشرق إلى الغرب.

المسار الثاني: وهو خط “الغاز العربي” في اتجاه واحد من جنوب إلى شمال سيناء.

هذان المساران هما خطَّا أنابيب الغاز، الوحيدان اللذان يعبران الحدود المصرية، ويستخدمان لنقل الغاز من الخارج إلى مصر أو من مصر إلى الخارج.

عوائق أمام نقل الغاز من مصر إلى سوريا ولبنان

الطريق الوحيد لنقل الغاز من مصر إلى سوريا ولبنان، سيكون عبر استخدام أحد المسارين، إما خط “الغاز العربي” أو خط “العريش-عسقلان”، ولكن “في اتجاه معاكس لاتجاه الغاز الإسرائيلي المتدفق في الخطين والمتجه إلى مصر”.

ما يعني بوضوح، أنه من غير الممكن أن يتم نقل الغاز من مصر إلى سوريا ولبنان “من الجنوب إلى الشمال”، إلا إذا توقفت مصر عن استقبال الغاز الإسرائيلي القادم “من الشمال إلى الجنوب” في نفس الخطوط، وهو أمر غير وارد وفقًا للصفقات المبرمة بين الطرفين واستنادًا للاحتياج المصري للغاز الطبيعي.

ثانيًا: المسكوت عنه في صفقة الغاز المصري إلى سوريا ولبنان

ما وراء صفقة الـ 15 مليار دولار لتصدير الغاز إلى مصر

بناءً على ما سبق، يتضح لنا أنه لا يوجد سوى طريق واحد لنقل الغاز إلى سوريا ولبنان، حيث ستضخ إسرائيل الغاز الطبيعي إلى شمال الأردن، ومن هذه النقطة يتفرع الغاز الإسرائيلي في عدة مسارات:

  1. المسار الأول: إلى الشبكة الوطنية الأردنية
  2. المسار الثاني: جنوبًا عبر خط “الغاز العربي” ليمد مصر بجزء من حصتها من الغاز الإسرائيلي كما أوضحنا بالأعلى.
  3. المسار الثالث: وهو المسار الجديد حيث سيتجه الغاز الإسرائيلي شمالًا عبر خط “الغاز العربي” مباشرةً إلى سوريا ثم إلى لبنان.

يعني ذلك، أن جزءًا من الغاز المفترض تصديره إلى مصر عبر صفقة الـ 15 مليار دولار المثيرة للجدل، سيتم توجيهه مباشرةً عبر خط “الغاز العربي” إلى سوريا ولبنان، وذلك لاختصار الطريق، بدلًا من نقله إلى مصر ثم من مصر إلى سوريا ولبنان.

الخلاصة: أي أن كلًا من سوريا ولبنان، سيتسلمان حصصًا من الغاز الإسرائيلي، ولكن عبر اتفاق مصري، أو بمعنى أدق، ستحصل سوريا ولبنان على الغاز الإسرائيلي، ولكن بطريق غير مباشر عبر مصر، حيث لا يرجح أن يعلن أي الأطراف عن تلك التفاصيل، ولن يشار إلى إسرائيل بأي شكل في تفاصيل صفقة الغاز المصري إلى سوريا ولبنان.

كيف ستعوض مصر كميات الغاز المقتطعة منها .. المقاصة هي الحل

سيحدث ذلك عبر استلام مصر شحنات غاز مسال من الولايات المتحدة الأمريكية، سيدفع ثمنها كل من سوريا ولبنان، حيث سيتم استقبالها في محطات التغويز (FSRU) المصرية، ثم تحويل الغاز المسال إلى الحالة الغازية وضخه في الشبكة المصرية الداخلية.

وبذلك تحصل مصر على نفس كمية الغاز التي كان من المفترض استلامها من إسرائيل، ولكن عبر استقبال نفس الكمية من شحنات الغاز المسال الأمريكي.

باختصار وبشكل مبسط، فهذا الاتفاق أقرب ما يكون إلى“مقاصة غاز”، حيث سيعاد توجيه جزء من الغاز الإسرائيلي الذي كان من المفترض أن تتسلمه مصر إلى سوريا ولبنان، بينما سيتم تعويض مصر عن نفس كمية الغاز المقتطعة، عبر استلام شحنات الغاز المسال الأمريكية التي ستتحمل تكلفتها سوريا ولبنان.

خلاصات وحقائق هامة:

لا تمتلك مصر فائض من الغاز الطبيعي

في جميع الحالات، لا تمتلك مصر فائض من الغاز الطبيعي في الوقت الراهن لتصديره للخارج، بل إن حجم تراجع الإنتاج المصري وتزايد الاستهلاك يجعل من عودة مصر إلى تصدير الغاز الطبيعي، أمرًا بعيد المنال. ووفق ذلك الواقع تتزايد، إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر وأيضًا تتزايد شحنات الغاز المسال التي تستقبلها الموانئ المصرية.

الضغوط والمصالح الأمريكية عامل مؤثر

بطبيعة الحال، يمكن أن نفهم طبيعة الوساطة والضغوط الأمريكية لإتمام صفقات الغاز بين مصر وسوريا ولبنان، فهي لا تقحم إسرائيل فقط في صفقة الغاز وتربط مصالح حليف أمريكا الأول في المنطقة مع مصالح دول الجوار، ولكنها أيضًا تحقق مكاسب مادية عبر شراء الغاز المسال الأمريكي.

تلك الوساطة الأمريكية بدأت منذ عام 2022، ووصلت إلى اتفاق توريد غاز بين مصر ولبنان، ولكنها تعطلت كل تلك الفترة بسبب الأوضاع في سوريا، ثم استؤنفت الوساطة مرة أخرى بعد تغير الأوضاع في سوريا.ن

مصادر الطاقة أحد الدوافع الرئيسية للصراعات العالمية

نحن في عالم وفي وقت لم يعد من الخافي على أحد، أن الطاقة أصبحت عنصر رئيسي في صراعات النفوذ والهيمنة، أو أنها أصبحت على رأس قائمة عناصر الأمن القومي، وهذا الواقع يقودنا إلى النظر إلى الغاز أو النفط أو مصادر الطاقة كسلعة استراتيجية، لا تضع المنظور الاقتصادي فقط في تقييمها لصفقات الطاقة، ولكنها تضع الأولوية للمنظور الأمني والجيوسياسي كنقطة انطلاق لتقييم الصفقات، خاصة إذا كانت في منطقة تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية، ومع طرف لا تتوقف انتهاكاته ولا رغباته في تزايد نفوذه في محيطه الإقليمي.

مخاطر أمنية في الاعتماد على الغاز الإسرائيلي

عبر هذا الاتفاق تدخل لبنان وسوريا مع مصر والأردن في دائرة مخاطر الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، وذلك من خلال مجموعة نقاط حيوية وحساسة:

  1. عندما تعتمد على الغاز الإسرائيلي في سد احتياجاتك، فهذا يعني أن أي تهديد لمنصات إنتاج الغاز الإسرائيلية لن تكون إسرائيل وحدها المتضرر منه، ولكن بطبيعة الحال كل من يستقبل الغاز الإسرائيلي سيتضرر، وسيكون حجم الضرر بحسب حجم الاعتماد على الغاز الإسرائيلي. وهذا يعني عمليًا أن مصر والأردن وسوريا ولبنان قد ربطوا أمن الطاقة لديهم بأمن الطاقة الإسرائيلي، أو بمعنى أخر أن أي توترات أو صراعات قد تخوضها إسرائيل في المستقبل وتهدد منصات انتاج الغاز لديها وتهدد أمن الطاقة الإسرائيلي، سيقابله توقف عن ضخ الغاز الإسرائيلي إلى كل من مصر والأردن وسوريا ولبنان، بشكل يهدد أمن الطاقة لديهم.
  2. لن تتردد إسرائيل في استخدام صادراتها من الغاز الطبيعي كورقة ضغط ومساومة مع أي من الأطراف العربية، في حال تجدد أي صراع أو توتر، وهذا الأمر لم يعد استنتاجًا منطقيًا فقط مبني على فهم طبيعة ونهج إسرائيل، ولكنه بات مستندًا إلى واقع حرب الطوفان والممارسات الإسرائيلية في الضغط على مصر والتهديد بإيقاف أو تقليص إمدادات الغاز الإسرائيلي خلال مسار المفاوضات الطويل. وهذا يعني بوضوح أن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي يمنحها أداة سياسية فاعلة للتأثير والضغط والمقايضة.
  3. تساهم اكتشافات الغاز الإسرائيلية وصفقات الغاز الإسرائيلية مع دول الجوار في محيطها بشكل كبير في تعزيز نفوذ إسرائيل في المنطقة، فهي لا تضع إسرائيل فقط كلاعب رئيسي في قطاع الغاز في المنطقة، ولكنها تجذب إليها شركات النفط العالمية للاستثمار وضخ المليارات لاستكشاف مزيد من حقول الغاز، وهذا لا يؤدي فقط إلى زيادة القوة الاقتصادية إلى جانب القوة العسكرية لإسرائيل، ولكن الأهم من ذلك أنه يربط مصالح شركات النفط العالمية بإسرائيل، وهذا وجه آخر لتعزيز علاقات إسرائيل مع القوى الدولية.
  4. لم يعد أمن الطاقة مجرد تأمين إمدادات النفط والغاز من أي مصدر، ولكن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا وارتباطًا بالتغيرات الجيوسياسية، ولذلك فقد أصبح من الواجب وضع أمن الطاقة كأحد أولويات الأمن القومي، والتعامل مع ذلك الملف عبر سياسات توازن بين المصالح الوطنية طويلة الأجل، ومراعاة المكاسب الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية، والأهم من ذلك أن تكون تلك السياسات قادرة على مواجهة التحديات والتغيرات الإقليمية والدولية.

د.خالد فؤاد

باحث سياسي ومتخصص في شؤون الطاقة دكتوراة في العلاقات الدولية وشؤون الطاقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *