الأمن القومي المصريإسرائيلالمسكوت عنه

من صفقة تجارية إلى أداة ضغط .. إسرائيل تسعى لقطع الغاز عن مصر تحت شعار أمن إسرائيل أولًا

بعد حديث مطول من الجانب المصري عن صفقة الغاز الإسرائيلي باعتبارها صفقة تجارية وليس لها أبعاد سياسية، كانت المفاجئة أن الصفقة تعطلت خلال الأيام الماضية، وفق أسباب تكشف بوضوح حجم وأهمية أمن الطاقة لدى إسرائيل، الذي يعلو لديها في أهميته وأولويته على المكاسب والحسابات الاقتصادية.

فالصفقة التي تصل إلى 35 مليار دولار وتقدم مكاسب اقتصادية واستراتيجية لإسرائيل، لم تُغري إسرائيل قبل أن تتأكد من تأمين إمدادات الغاز للسوق المحلية في العقدين القادمين.

سلوك إسرائيل يدحض الادعاءات المصرية الرسمية

أدرجت إسرائيل بنود إضافية جديدة للصفقة -رخصة التصدير- تعطي فيها الأولوية لتلبية الطلب المحلي المتزايد، على حساب صادرات الغاز إلى مصر.

بمعنى أكثر دقة، تمنح البنود الجديدة إسرائيل صلاحية خفض كميات الغاز المصدرة إلى مصر، في أي وقت لتلبية، الطلب المحلي الإسرائيلي أولاً وبذلك تتحول مصر إلى متلقي لفائض الغاز الإسرائيلي المتبقي من استهلاك السوق المحلية الإسرائيلية بدلا من أن تكون المشتري الذي يحدد كميات الغاز اليومية أو السنوية التي يلتزم بها البائع.

بطبيعة الحال رفضت مصر هذه الشروط، التي تجعل من إمدادات الغاز الإسرائيلي مصدر غير موثوق ولا يمكن الاعتماد عليه لسد الاحتياجات المصرية.

واللافت هذه المرة، هو أن الرفض المصري لم يأت بسبب الاحتراز المنطقي والبديهي من خطورة استخدام إسرائيل للغاز كأداة للضغط على مصر، ولكنها جاءت في نهاية المطاف تحولت تلك المخاوف إلى حقائق مكتوبة في بنود عقد التصدير، حيث لم تتحرج إسرائيل من إدراجها في العقد، بإعطاء الأولوية لأمن الطاقة الإسرائيلي على حساب أمن الطاقة المصري.

شيفرون الأمريكية تقرر توسعة حقل ليفياثان .. ماذا يعني ذلك وما علاقته بالموقف المصري الرافض للشروط؟

ظل الموقف المصري رافضًا للبنود الجديدة خلال الأيام الماضية، حتى أعلنت شركة شيفرون الأمريكية أمس اتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID) في توسعة حقل ليفياثان.

يرتبط قرار شيفرون المعلن بمشروع التوسعة لحقل ليفياثان، حيث تعطلت هذه التوسعة التي كان من المفترض أن تبدأ فيها إسرائيل منذ سنوات، نتيجة اندلاع حرب الطوفان، وكذلك بسبب خلافات بين شيفرون وإسرائيل على الجهة التي ينبغي أن تتحمل تكلفة التوسعة.

إلا أن البنود الأهم في قرار شيفرون تتعلق بضمان بيع كميات الغاز الجديدة التي ستنتج عن عملية التوسعة.

ما يعني أن شيفرون لم تكن لتبدأ في ضخ مليارات الدولات -تقدر تكلفة التوسعة بنحو 2.4 مليار دولار- في مشروع التوسعة، قبل أن تتأكد من ضمان إتمام عملية بيع الغاز، سواءً للسوق المحلية الإسرائيلية أو تصديره للخارج عبر مصر والأردن.

لذلك كان من الطبيعي أن تشرع شيفرون وشركاؤها في إسرائيل -“شركة نيوميد”- في مباحثات اتخاذ قرار توسعة حقل ليفياثان مباشرة عقب الإعلان عن صفقة الغاز الأخيرة بين مصر وإسرائيل.

وبالفعل أعلنت شيفرون في 16 يناير 2026، اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في توسعة حقل ليفياثان عبر مرحلتين: الأولى ترتفع فيها الطاقة الإنتاجية للحقل من الوضع الحالي 1.2 إلى 1.4 مليار قدم مكعب يوميًا، ثم المرحلة الثانية والتي سيصل فيها الإنتاج إلى 2.1 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول نهاية عام 2029.

الخلاصة: يعني ذلك أن مصر وافقت وأعطت الضوء الأخضر لإتمام صفقة الغاز الإسرائيلي، وأنها رضخت إلى الشروط الجديدة التي أضافتها إسرائيل، على الرغم من التحفظات التي أبدتها عليها خلال الأيام الماضية.

غموض متعمد يكتنف تفاصيل البنود الجديدة

إلا أن أمر هذه البنود سيبقى غامضًا، فعلى الرغم من أن شيفرون أعلنت رسميًا عن خططها الأخيرة في بيانات رسمية، لم تُذكر أي تفاصيل عن المباحثات التي دارات خلال الأيام الماضية بشأن البنود الجديدة والتحفظات المصرية عليها.

على سبيل المثال، لم يُعلَن عن أي ضمانات من شأنها تبديد التحفظات المصرية على البنود الجديدة، مثل إدخال تعديل رسمي عليها، أو تقديم ضمانات تُلزم إسرائيل بكميات محددة من إمدادات الغاز، أو حتى إقرار تعويضات بأسعار مخفضة لصالح مصر.

ومع ذلك، سنمتنع عن الخوض في استنتاجات تتعلق بملف لم تُكشف بعد تفاصيله، غير أن تعمُّد حجب المعلومات في مثل هذه السياقات يفتح الباب أمام احتمالين رئيسيين لا ثالث لهما:

الاحتمال الأول: أن البنود الإسرائيلية محلّ الخلاف لم يتم تعديلها في العقد أو رخصة التصدير المكتوبة، إذ لو جرى ذلك لكان إجراءً رسميًا معلنًا وموثقًا على نطاق واسع.

الاحتمال الثاني: أن هناك تفاهمات جرت بين مصر وإسرائيل بشأن نقطة الخلاف الرئيسية في البنود الجديدة، التي تمنح إسرائيل حق خفض كميات الغاز بالقدر الذي تشاء وفي أي وقت.

وقد تكون هذه التفاهمات في صورة تعهد أو وساطة أمريكية لمتابعة الصفقة وإلزام إسرائيل بكميات محددة لصالح الجانب المصري، أو ربما ترتبط بتنسيقات في ملفات أخرى ذات طابع أمني وسياسي.

أمن الطاقة الإسرائيلي أولًا

تكشف البنود الإسرائيلية الجديدة عما يعنيه أمن الطاقة لدى صانع القرار الإسرائيلي؛ فهذه البنود رغم فجاجتها، تعبِّر عن استراتيجية إسرائيلية ثابتة في التعامل مع إمدادات الطاقة.

فإسرائيل منذ نشأتها، تتعامل مع سياسات الطاقة باعتبارها قضية أمن قومي، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة إصرارها منذ اكتشافات الغاز الضخمة، على تخصيص نحو 60% من احتياطيات الغاز للاستهلاك المحلي، بما يكفي احتياجاتها حتى عام 2040، وإتاحة 40% فقط من تلك الاحتياطيات للصادرات الخارجية.

ورغم أن هذه النسبة تبدو غير عقلانية من منظور اقتصادي بحت، إذ تهدر مكاسب اقتصادية ضخمة، فإن الأولوية ظلت موجهة نحو أمن الطاقة وتأمين إمدادات الغاز على المدى البعيد.

وقد تكرر النهج ذاته في الصفقة الأخيرة، المقدرة بنحو 35 مليار دولار، والتي يمكن النظر إليها تجاريًا بوصفها صفقة شديدة الربحية. ومع ذلك، أدرجت إسرائيل بنودًا تضع أمن الطاقة وضمان إمدادات الغاز للاستهلاك المحلي طويل الأمد في المقام الأول.

مخاطر الاعتماد على الغاز الإسرائيلي لا زالت قائمة ومستمرة

إلى جانب المخاطر التي نكرر التحذير منها بشأن الاعتماد المتزايد على الغاز الإسرائيلي، والمتمثلة في أولًا: ربط أمن الطاقة المصري بأمن الطاقة الإسرائيلي، أي ربطه بالتوترات والأزمات الجيوسياسية التي تنخرط فيها إسرائيل، مثل حرب “الطوفان” الأخيرة، وثانيًا: امتلاك إسرائيل لأداة ضغط مباشرة على مصر؛ تكشف البنود الإسرائيلية عن جانب آخر بالغ الأهمية، يتمثل في مدى قدرة مصر على تعويض الغاز الإسرائيلي في حال توقفه.

في هذا السياق، يمكن توضيح عدد من النقاط الأساسية:

  1. اتخذت مصر مسارًا إيجابيًا خلال الشهور الأخيرة، باعتمادها استراتيجية تنويع مصادر الغاز، حين اتجهت إلى استيراد الغاز المسال، وقبل ذلك عزّزت بنيتها التحتية لاستقبال هذا الغاز عبر استئجار سفن التغويز  (FSRU)، حيث جاءت تلك الخطوة نتاج إدراك لمخاطر الاعتماد المتزايد على الغاز الإسرائيلي والذي كُشفت مخاطره خلال حرب الطوفان.
  2. تتيح هذه الاستراتيجية لمصر تقليص الاعتماد على الغاز الإسرائيلي واستبداله بالغاز المسال من مصادر متنوعة، حتى وإن كانت أسعار الغاز المسال أعلى تكلفة من الغاز الإسرائيلي، فإنها تمنح مصر في النهاية مصادر أكثر موثوقية يمكن الاعتماد عليها مستقبلًا.
  3. وعليه، فإن العودة مرة أخرى إلى زيادة إمدادات الغاز الإسرائيلية عبر الصفقة الأخيرة تمثل ارتدادًا عن الاستراتيجية الجديدة التي اتخذتها مصر، وعودةً إلى الاعتماد المتزايد على الغاز الإسرائيلي.

هل التوجه للاستعانة بسفن التغويز قادر على تعويض وقف تدفقات الغاز الإسرائيلي؟

إن الرهان على قدرة مصر على تعويض توقف تدفقات الغاز الإسرائيلي، استنادًا إلى امتلاكها سفن تغويز تمكنها من استقبال شحنات الغاز المسال واستبداله بالغاز الإسرائيلي، يُعد بدوره تصورًا غير واقعي ينطوي على قدر مرتفع من المخاطر للأسباب التالية:

أولًا، يعتمد استهلاك مصر حاليًا على الغاز الإسرائيلي بما يقارب خُمس احتياجاتها تقريبًا، والمشكلة هنا لا تقتصر على هذا الحجم الكبير فحسب، بل تمتد إلى قدرة مصر على تعويض هذه الكمية في حال توقفها. إذ يعني ذلك الحاجة إلى سفن تغويز بطاقة استيعابية تعادل حجم إمدادات الغاز الإسرائيلي، وهو أمر يصعب على مصر تحقيقه في ظل الزيادة المتوقعة في هذه الإمدادات، التي يُرجَّح أن تتجاوز في السنوات المقبلة حاجز ملياري قدم مكعب يوميًا (أي ما يقارب ضعف الكمية الحالية).

وبناءً عليه، فإن الحديث عن أن سفن التغويز تمنحنا قدرة كاملة على التعويض يظل غير دقيق، وفي أفضل الأحوال ستوفر هذه السفن قدرة جزئية فقط على تعويض إمدادات الغاز الإسرائيلي.

ثانيًا، تستطيع إسرائيل في أي لحظة، أن تقرر وقف ضخ الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى مصر، في حين لا تستطيع مصر تأمين شحنات غاز مسال بشكل فوري لتعويض هذا النقص.

ويعود ذلك إلى أن الحصول على شحنات غاز مسال جديدة عبر العقود الفورية، وهي أسرع السبل المتاحة لتأمين الغاز، ليس أمرًا سهلًا في ظل الزيادة المستمرة في الطلب العالمي على الغاز المسال، وهو ما قد يجعل عملية توفير هذه الشحنات تمتد لأسابيع. ويعني ذلك احتمال تعرض مصر لأزمة كهرباء قد تمتد آثارها لأيام أو حتى أسابيع.

كلمة السر “ملف سد النهضة” .. محفزات أمريكية لتثبيت الصفقة

من المؤكد أن الوساطة الأمريكية حاضرة بقوة في مسار صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل؛ فمنذ بداية المباحثات حول الصفقة الجديدة، لعبت الولايات المتحدة دور الدافع والمحفّز للطرفين من أجل إتمامها. ويبدو هذا الأمر بديهيًا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المستفيد الأول من الصفقة هي شركة شيفرون، عملاق الطاقة الأمريكي. غير أن الأهم من ذلك هو أن الصفقة تندرج ضمن استراتيجية أوسع لترامب، تهدف إلى دفع جميع القوى الفاعلة في المنطقة إلى الانخراط في علاقات مع الجانب الإسرائيلي، وتهيئة الإقليم لسلامٍ تُعزّزه المصالح المشتركة قبل التفاهمات والاتفاقات الدبلوماسية.

لذلك، ليس من قبيل المصادفة أن تتزامن رسالة ترامب إلى السيسي، وعرضه الوساطة في ملف سدّ النهضة بالأمس، مع إعلان شيفرون توسعة حقل ليفياثان والبدء العملي لصفقة الغاز الإسرائيلي إلى مصر. ولا يعني ذلك بالضرورة أن موافقة مصر على الشروط أو البنود الإسرائيلية المجحفة في عقد تصدير الغاز هي السبب الرئيسي وراء رسالة ترامب، لكنها بالتأكيد تُعد أحد الأسباب القوية التي دفعت الرئيس ترامب إلى تقديم خدماته مقابل حزمة من التفاهمات والترتيبات التي انخرطت فيها مصر خلال الفترة الماضية، وكان من بينها القبول بصفقة الغاز الإسرائيلية.

د.خالد فؤاد

باحث سياسي ومتخصص في شؤون الطاقة دكتوراة في العلاقات الدولية وشؤون الطاقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *